الحماية الجنائية ل “العلاقة الزوجية”

الحماية الجنائية للعلاقة الزوجية في القانون المغربي

الحماية الجنائية للعلاقة الزوجية

 

تعد الأسرة المجتمع الأول الذي يواجهه الأفراد، لذلك فهي تباشر أثرها القوي في توجيه تصرفاتهم وسلوكياتهم، فإذا كانت الأسرة متماسكة يسودها الحب والتفاهم والاحترام والأخلاق الحميدة يكون هناك توازن في العلاقة الزوجية بين الطرفين، فيقوم كل واحد منهما بتلبية حاجيات الطرف الآخر والسهر على راحته . أما إذا كانت الأسرة متفككة يسودها التنافر وعدم التفاهم والعلاقة السيئة بين الزوجين، فيترتب عن ذلك عدم الاكتراث للعلاقة الزوجية ، فيكون لكل واحد منهما حياته الخاصة التي يسعى جاهدا إلى الاستمتاع بها وتلبية رغباته دون الأخذ بعين الاعتبار وجود العلاقة الزوجية القائمة بينهما، مما يسمح بخيانة أحدهما للآخر، أو إهمال أحدهما لبيت الزوجية أو استعمال العنف أو الضرب والجرح من أحد الزوجين ضد الآخر.

و هو ما حدا بالمشرع إلى التدخل لتجريم هذه الأفعال حماية لهذه العلاقة الزوجية.

المطلب الأول: الخيانة الزوجية

إن نظام الزواج هو النظام الطبيعي الذي يؤدي إلى حفظ النوع البشري، لذلك جرمت التشريعات المختلفة كل ما من شأنه أن يمس بحرمة هذا النظام، وعلى رأس ذلك الخيانة الزوجية التي ما جرمت لكونها تمس الآداب والأخلاق العامة فحسب . وإنما تجريمها يرجع بالأساس إلى رغبة التشريعات الجنائية في حماية العلاقة الزوجية . ويؤكد ذلك أن جل التشريعات المعاقبة على الخيانة الزوجية جرت على إيراد النصوص الخاصة بذلك في باب “الجرائم الخاصة بالزواج أو العائلة([1])  .

و الخيانة الزوجية هي كل ممارسة يقوم بها أحد الزوجين خارج إطار العلاقة الزوجية المشروعة.

و المشرع المغربي-كغيره من التشريعات الإسلامية التي تجرم كل ما يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية- لا يعترف إلا بمؤسسة الزواج كرابط شرعي بين رجل وامرأة بناء على عقد زواج صحيح. فقد نص الفصل 491 من ق.ج في فقرته الأولى على أنه:”يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين أحد الزوجين الذي يرتكب جريمة الخيانة الزوجية، ولا يجوز المتابعة في الحالة إلا بناء على شكوى من الزوج أو الزوجة المجيز عليها…” . وقد سار على نهج المشرع المغربي في تجريم الخيانة الزوجية كل من نظيره المصري والليبي والجزائري…

و الحماية الجنائية في العلاقة الزوجية لا تقتصر فقط على اعتبار العلاقة الزوجية عنصرا تكوينيا في جريمة الخيانة الزوجية. وإنما تمتد هذه الحماية إلى تمتيع أي من الزوجين بظرف مخفض للعقوبة في جرائم القتل أو الجرح أو الضرب الذي يرتكبه أحد الزوجين ضد الزوج الآخر أو شريكه عند مفاجأتهما متلبسين بجريمة الخيانة الزوجية.([4])

و يعتبر تمتيع الزوجين معا بهذا العذر المخفف من أهم ما جاء به القانون رقم 03-24([5]) وذلك تكريسا لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود القانون الجنائي، على اعتبار أن الزواج يربط الزوجين معا ويرتب حقوقا وواجبات متبادلة بين الزوجين وليس هناك أي اعتبار يبرر حرمان الزوجة من هذا العذر المخفض للعقوبة.([6])

و بتجريم المشرع للانحلال الخلقي وكل الوسائل المساعدة له أو الداعية إليه يعمل جاهدا لحماية الأخلاق بصفة عامة ومنع تأثيرها السيئ  على الأسرة. وحرصا على تحصين هذه الأخيرة من كل ما من شأنه أن يزعزع دعائمها وتماشيا مع هذا الهدف. فقد جعل المشرع المتابعة في جريمة الخيانة الزوجية مرتبطة بضرورة تقديم شكوى من الزوج أو الزوجة المجني عليها.([7])

بالنسبة للتشريع المقارن

وبخلاف هذه التشريعات نجد المشرع التونسي لا يعاقب على جريمة الخيانة الزوجية بالمعنى الواسع إلا إذا كن ذلك بالمقابل وخارج دور البغاء. حيث يعتبر في هذه الحالة بغاء سريا يعاقب عليه بأحكام الفصل 231 من المجلة الجنائية، أو إذا كانت الفتاة المتصل بها قاصر.([2])

أما التشريع الفرنسي فقد ميز في العقوبة بين أطراف الجريمة. بحيث أن الزوجة الزانية تعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى سنتين (م 337) كما يخضع شريكها إلى نفس العقاب مع الغرامة. أما الزوج الزاني فإن عقوبته محصورة على الغرامة شرط أن يكون قد زنى في بيت الزوجية، أو اتخذ له خليلة في منزل الزوجية (م 339). ولم يتطرق المشرع الفرنسي إلى عقوبة شريكة الزوج.([3])

وزنا الزوج في بيت الزوجية شرط لقيام جريمة الخيانة الزوجية في حقه في القانون المصري كذلك. إذ نصت المادة 4 من قانون العقوبات المصري على أنه:”كل زوج زنا في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة يجازى بالحبس مدة لا تزيد عن ستة شهور“.

المطلب الثاني: إهمال الأسرة

خصص المشرع المغربي لجريمة إهمال الأسرة الفصول من 479 إلى 482 من القانون الجنائي. وهذه الفصول تعتبر السند القانون للتجريم للعقاب على هذه الجريمة، إذ تحدد نوع الأفعال المجرمة قانونا والمعتمدة كأساس للمتابعة عند اقترافها ممن تتوافر فيهم الصفة المتطلبة قانونا. كما تعدد هذه الفصول العقوبات المقررة لها، والتي تكون إما عقوبات سالبة للحرية وللحقوق أو عقوبات مالية.([8])

وفي هذا الإطار ينص الفصل 479 من ق.ج على أنه:”يعاقب كل من الأب أو الأم إذا ترك أحدهما بيت الأسرة دون موجب قاهر مدة تزيد عن شهرين وتملص من كل أو بعض واجباته المعنوية أو المادة الناشئة عن الولاية الأبوية أو الوصاية أو الحضانة. ولا ينقطع أجل الشهرين إلا بالرجوع إلى بيت الأسرة رجوعا ينم عن إرادة استئناف الحياة العائلية بصورة نهائية“.

ويعني ذلك خروج الأب أو الأم من البيت الذين يقيمان فيه مع أطفالهما إلى مكان آخر، سواء كان ذلك المكان بعيدا أم قريبا يجب أن يوافق ذلك الخروج إخلال أحد الأبوين بواجبات الولاية أو الوصاية أو الحضانة([9]). أما إذا أستمر أحد الزوجين في رعاية الأبناء رغم بعده عن بيت الأسرة، وكان ينفق على أسرته من بعيد ويرعى أبناءه من خلال توجيهاته لهم من مكان خارج بيت الأسرة فلا تثبت في حقه جريمة إهمال الأسرة. غير أن هذا الامتياز لا يتوفر للأم التي تتملص من واجب الحضانة، لكون أبنائها يجب أن يظلوا معها حتى تتمكن من رعايتهم.

أما فيما يخص فترة الغياب عن بيت الأسرة فقد حددتها المادة 479 من ق.ج في غياب أحد الأبوين عن بيت الأسرة لأكثر من شهرين، وهذا التحديد يفهم منه أن هذه الفترة قد تكون شهرين أو أكثر.

والمشرع أراد أن يقطع الطريق على الزوج المخادع الذي يتحايل، وذلك بالحضور إلى بيت الزوجية بين الحين والآخر. الأمر الذي دفع به إلى التنصيص في الفصل 479 من ق.ج على أنه:”لا ينقطع أجل الشهرين إلا بالرجوع إلى بيت الزوجية رجوعا عن إرادة استئناف الحياة العائلية بصورة نهائية“. غير أن الإرادة الحقيقية لاستئناف الحياة الزوجية بصورة نهائية مسألة من الصعب إثباتها نظرا لارتباطها بالنية التي تعتبر من الأمور الخفية التي لا يمكن للقضاء أن يطلع عليها.

وقد أقر المشرع نفس عقوبة إهمال الأسرة لمن يترك زوجته وهي حامل، شريطة علم الزوج بوجود هذا الحمل عند قيامه بمغادرة بيت الزوجية.

وما قيل عن الإرادة النهائية لاستئناف الحياة العائلية يمكن قوله عن مسألة العلم بالحمل إذ من الصعب إثبات هذا العلم خصوصا إذا كانت الزوجة في الشهور الأولى للحمل.

ويستخلص من المادة 479 بمفهوم المخالفة أن الزوجة إذا لم تكن حاملا وأهملها زوجها لأكثر من شهرين دون عذر مقبول لا يحق لها متابعته بهذه الجريمة. كما أن الزوجة الحامل إذا هي أقدمت على مغادرة بيت الزوجية وكان زوجها عالما بحالة الحمل، لا يجوز له متابعتها بإهمال الأسرة، إلا إذا وجد أطفال صغار قي البيت الذي غادرته وتخلت عنهم دون عذر قاهر.

وإذا كان هذا القول قد يفسر بأن المشرع المغربي قد جرم إهمال الأسرة حماية لمصلحة الأطفال بالدرجة الأولى. فإن تأثير هذه الجريمة على العلاقة الزوجية لا يمكن أن ينكره اللبيب، كما أن ضرر غياب أحد الزوجين عن بيت الزوجية يطال الزوج الآخر بلا شك . مما يدفعنا إلى القول بأنه ما كان على المشرع أن يعلق قيام الجريمة على وجود أطفال أو حمل . وهذا الاعتبار هو الذي دفعنا إلى دراسة هذه الجريمة تحت عنوان”الحماية الجنائية للعلاقة الزوجية” . بالإضافة إلى اعتبار آخر وهو أن هذه الجريمة تجمعها مع الجرائم في هذا الباب خاصة جوهرية وهي كونها ترتكب من قبل أحد الزوجين.

كما نص المشرع في الفصل 480 من ق.ج على أنه:”يعاقب بعقوبة إهمال الأسرة من صدر عليه حكم نهائي أو قابل للتنفيذ المؤقت بدفعه نفقة إلى زوجه أو أحد أصوله أو فروعه وأمسك عمدا عن دفعها في موعدها المحدد“.

فانطلاقا من هذا النص يتبين أن الجريمة المذكورة تقوم متى أمسك الجاني عمدا عن أداء النفقة لمستحقيها، زوجة كانت أو أحد الأصول أو الفروع. وذلك بعد صدور حكم نهائي أو قابل للتنفيذ المعجل يقضي بأدائها، وأن يمسك المدين عن دفعها عمدا. فالأصل هو ملاءة الذمة، ومن ثم على المدين بالنفقة أن يثبت حسن نيته. أما القصد الجنائي أو النية الجريمة فتفترض وعلى الملزم بالنفقة أن يأتي بالحجة على أنه معسر.([10])

المطلب الثالث: الضرب والجرح المرتكبة ضد أحد الزوجين

ينص الفصل 404 من ق.ج المغربي كما تم تعديله وتتميمه بمقتضى قانون 03-24 على أنه:

يعاقب كل من ارتكب عمدا ضربا أو جرحا أو أي نوع آخر من العنف أو الإيذاء ضد أحد أصوله أو ضد كافله أو ضد زوجه

والعناية من تعديل هذا النص وغيره مما يتعلق بحماية الطفل والمرأة على النصوص، هي مسايرة مجموعة من المستجدات التي عرفتها قوانين أخرى في بلدنا، كقانون المسطرة الجنائية، قانون الحالة المدنية، مدونة الشغل، قانون مكافحة الإرهاب، قانون الصحافة، مدونة التجارة ثم مدونة الأسرة، وهو ما يفرض ملاءمة القانون الجنائي مع هذه القوانين حتى يتمكن المشرع من تحقيق التكافل وإزالة التناقص حماية للأسرة([11])، وتحقيقا لمبدأ أي الحرية والمساواة.

ويقابل الفصل 404 من ق.ج المغربي المادة 232/13 من القانون الجنائي الفرنسي التي تنص على أن:”العنف الذي يترتب عنه عجز عن العمل لمدة أقل أو تساوي 8 أيام...

يعاقب بـ 3 سنوات حبسا وغرامة 300.000 فرنك عندما يرتكب ضد:

1-….

2-….

6- من طرف زوج أو صديق الضحية

وينص المشرع المغربي التعديل الأخير صراحة على تجريم العنف بين الأزواج أصبح هناك توافق بين التشريع المغربي وغيره من التشريعات المقارنة، على اعتبار أنه قبل هذا التعديل لم يكن هناك أي تنصيص على الضرب والجرح ضد أحد الزوجين، الأمر الذي دفع بالمشرع أمام تكاثر هذه الظاهرة –والفراغ التشريعي- إلى تجريم هذه الأفعال حرصا منه على ضرورة تحسين وضمان تماسك كل مكونات المجتمع وعلى رأسها الأسرة، والمرأة والطفل بالخصوص. ولقد كان للمجتمع المدني الدور الفعال في هذا الميدان وذلك من خلال العمل النشيط الذي تقوم به الجمعيات.([12])

وتكريسا للحماية الجنائية للزوجين كل في مواجهة الآخر، قرر المشرع المغربي إخضاع الجنح الزوجية للمماثلة في تقرير حالة العود([13]). وإذا أضاف إلى لائحة الجنح المتماثلة والتي ينص عليها الفصل 158- كل الجنح التي ارتكبها زوج في حق الزوج الآخر، “وهذه الجنح تعتبر متماثلة لتقرير حالة العود، وإن تباعدت عن بعضها البعض من حيث التكييف والوصف القانوني، فالزوج الذي يرتكب ضد زوجته عنفا ثم يصدر في حقه حكم حائز لقوة الشيء المقضي به ثم يرتكب ضدها قبل مضي خمس سنوات من تمام تنفيذ عقوبة الحبس أو تقادمها جنحة تهديد أو قذف أو إهمال يعتبر في حالة عود، ونفسه الأمر بالنسبة للزوجة التي تجرم في حق زوجها.([14])

كما شدد المشرع العقوبة في حالات العنف بين الزوجين إذ لم يعد العنف الذي يرتكبه الزوج ضد زوجته أو الزوجة ضد زوجها يدخل في نطاق الحالات العادية، وإنما تدخل المشرع ليتصدى لجرائم العنف بين الأزواج –والمتزايدة- وذلك بإضافته “أو ضد زوجه” في الفصل 404 من ق.ج، والذي كان يشدد العقوبة في حالة ارتكاب ضرب أو جرح أو عنف أو إيذاء ضد الأصول. وبذلك أصبح تشديد العقوبة يشمل جرائم العنف التي يرتكبها الزوج ضد زوجته أو التي ترتكبها الزوجة ضد زوجها، سواء نتج عنها مرض أو عجز تتجاوز مدته عشرين يوما أو تقل عن ذلك أو لم ينتج عنها مرض أو عجز أصلا وسواء أدت إلى إحداث عامة دائمة أو أدت إلى الموت دون نية إحداثه. ولكن إعمال هذا المقتضى تعترضه صعوبة جدية تتمثل في تعذر إثبات هذا العنف مادام يرتكب غالبا خلف أسوار بيت الزوجية.([15])

وإمعانا من المشرع في توفير الحماية اللازمة للطفل والمرأة وكذلك للزوج، أعفى الأطباء ومساعديهم من ضرورة الاحتفاظ بالسر المهني عند علمهم أثناء مزاولتهم مهامهم بتعريض طفل من الثامنة عشرة أو امرأة أو أحد الزوجين للعنف، وتمكينهم بالتالي من التبليغ عن ذلك .([16])

لائحة المراجع

[1] – د محمد عبد اللطيف صالح الفرفور:”الفقه الجنائي المقارن بالقانون”، الناشر: الحكمة، ب.ط.و.ب.ت، ص: 77.

[2] – محمد فاضل:”جريمة الفساد في القانون المغربي”، طبعة أولى، ص: 102 وما بعدها.

[3] – محمد فاضل، مرجع سابق، ص:107.

[4] –  الفصل 418 من ق.ج بعد تعديله بموجب القانون رقم 03-24.

[5] – الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 11 نوفمبر 2003.

[6] – ذ. يوسف وهاجي:”جرائم بيت الزوجية والحماية الجنائية للزوجين على ضوء تعديلات القانون الجنائي الأخيرة”، مقال منشور بمجلة الملف عدد 5، يناير 2005، ص:118.

[7] –  هو ما سوف نراه لاحقا بنوع من التفصيل.

[8] – أدولف ريبولط:”القانون الجنائي في شروح”، جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، ص: 602.

[9] – أدولف ريبولط، نفس المرجع السابق، ص:603.

[10] – وزارة العدل:”القانون الجنائي في شروح”، 1997، ص: 308.

[11] – تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان حول مشروع قانون رقم 03-24 المتعلق بتغيير وتتميم ق.ج.

[12] – وفي مقدمتها الجمعيات النسائية والمرصد الوطني لحقوق الطفل.

[13] – ويقصد بحالة العود:” الحالة التي يرتكب فيها الشخص جريمة بعد أن حكم عليه بمقتضى حكم حائز لقوة الشيء المقضي به من أجل ارتكاب جريمة سابقة.”

[14] – ذ يوسف وهابي: مرجع سابق، ص: 122.

[15] – ذ. يوسف وهابي: مرجع سابق، ص: 123.

[16] – الفصل 446 من ق.ج كما تم تعديله وتتميمه بمقتضى قانون 03-24.

Montre plus

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق